السلام عليكم


هذه القصّة تتبع "سائل له لون" لكن يمكنك أن تقرأ كل واحدة على أنها منفردة..
(لم أشرح جيّداً ما يمرّ به العالم في هذه)

------------------

*) سائل له لون 2 - حادثة زمزم


الحرب الكبرى إنتهت قبل 10 سنوات... لكن آثارها على البشر والأرض لن تنتهي قريبا....

الماء في كل أنحاء العالم صار ملوثا، والمعدات التي كانت قد تتمكن من تنقيته ضاعت خلال الحرب.
صار الماء في كل مكان أخضرا أم بُنياً أو رمادياً... إلا بئر واحد في العالم لا يزال ماءه نقيا!!

[بئر زمزم في مكّة]

حتى الحرب الكبرى لم توقف المسلمين عن الجح لبيت الله العتيق، وحتى تهالك وسائل النقل لم تمنعهم من بذل جهدهم في السفر والوصول لأداء الركن الخامس من دينهم.  لكن مع العدد الكبير من الناس الزائرين مكّة،  قلّة من يعرفون أن بئر زمزم لا يزال موجوداً، وقلّة من يعرفون أنه تحت السد الإسمنتي يوجد ماء نقي.

فوق ذلك القفل المدعو بال "سد" عُلقت لافته منذ زمن تقول
[بئر زمزم سابقا]

قرب اللافته وقف رجلان أسمران متشابها الملامح والثياب إلا أن لحية أحدهما أطول من الآخر.

كان الأول ينظر للآخر بغضب وهو يقول
"يا عبد الشيطان!! إنها آخر مرة أسكت عن جريمتك !! سأعلن للكل أنك وجماعتك تحتكرون ماء زمزم النقي"

تجاهل عبد الرحمن اللهجة الوقحة واللقب الذي ناداه أخوه الأصغر به وردّ بهدوء قاس
"يا عبد الله، أنت تعلم أننا لا نحتكره بل نشرب من الماء الذي يشربه الآخرون ... والجريمة الحقيقية هي فعل ما تريده أنت"

ثار الأخ الأصغر قائلا
"جريمة؟! هل إعطاء الماء للناس جريمة؟ هل إنقاذ مئا- آلاف النفوس من المياه السامة جُرم؟ وهل ما تفعله مع المسؤولين بإخفاء حقيقة زمزمنا من الخير؟"

قال عبد الرحمن بتعابير صارمة على وجهه وهو يشرح وجهة نظره
"لو عرفوا بأن لدينا الماء النقي سيأتي الأعداء إلينا، لماذا لا تفهم؟ نحن نسعي لإنقـ -"

لكن عبد الله قاطعه صارخا
"أعداء؟! أين هم الأعداء؟ الحجُاج المسلمون؟ المهاجرون المُستضعفون؟ الرحّالة العابرون؟ كيف تصف هؤلاء بالأعداء؟ من هم الأعداء؟!"

بعد الحرب وإنهيار تقنيات وسائل النقل، صار لايزور مكّة إلا الحُجّاج وربما عابروا السبيل، وهؤلاء جميعهم مسالمون ويجب إكرامهم. ومع ذلك رفض المسؤولون فتح "بئر" زمزم لأحد. فبالرغم أنهم مسالمون قد يُخطئ أحدهم ويقول حين يعود لبلدته أنه شرب الماء النقي في الحج, في هذه الحال ماذا سيحصل؟

"حتّى إن جاء المزيد من الزائرين فماء زمزم لن ينتهي؟!"
شعر عبد الله أن حنجرته تؤلمه من شدة صوته

"هذا هو مالا تفهمه يا أخي!!"
إستدركه أخوه الكبير عبد الرحمن وتابع
"ستحصل حرب!! إن علموا أن لدينا هذا الما-"

لكن عبد الله قاطعه بعنف
"لدينا؟! أنتم تتحدّثون وكأن البئر ملككم!! إنه ليس لكم لتقطعوا خيره عن الناس...إنه هبة من الله"

"بالضبط!!"
تنهّد عبد الرحمن وعاد إلى هدوءه
"لأن زمزم هبة من الرحمان علينا إنقاذه ومن حوله من الحرب القادمة... من لا يفهم هو أنت! لم يخترني أبي لأقود الجماعة لأنني أكبر منك بل لأنني أفهم!"

"فقط ما الذي تفهمه؟! أنت تجعل الناس يموتون بالسموم ولديك الحل لإنقاذهم, ومع ذلك تتحجّج بحرب لن تحصل... أنت!! وأبي!! وجميعكم لا تفهمون!!"

"العالم في وضع يائس, كل الماء صار ملوّثاً... و زمزم لن يكفي العالم كلّه!! هل تظن أن الناس سيرضون "

"هذا ليس مؤكداً!! ولو حصل المستحيل وإندلعت الحرب عندها سنقاتل دفاعاً عن الوطن كما فعل آبائنا وأجدادنا... أنت فقط خائف من القتال"

لكنه إبتسم ضاحكا
"أنا؟! خائف؟ بينما كنت أنا في الصفوف الأمامية. من الّذي كان يبكي خوفا خلال الحرب قبل عشر سنوات؟ أليس أنت؟"

"ذلك -"

"لستُ خائفا من القتال، أنا أريد منع المزيد من الضحايا، طالما هناك حل بالسلام، لماذا نلجأ إلى الخيار الذي يؤذي الطرفين؟"

"وهل تظن أن ما تفعله أفضل؟! الناس يموتون موتاً بطيئاً بسبب السموم التي تلوث الماء!! وتقول أنك تنقذهم... أنت- أنتم أسوأ مخلوقات الله... أنتم... أنتم.... الإسلام بريئ منكم يا عبدة الشيطان!!"


كان هذا حوارهما الدائم، كل منهما يظن الحل الذي يراه هو الأفضل، كل منهما لا يفكّر بحل الآخر ويظن أنه وحده "يفهم"...  إختلافهما كان لمنع الحرب، لكن هذا الإختلاف قد يكون سبباً في حرب أخرى تندلع أسرع من الحرب الذي يختلفان لأجلها.


[النهاية]



------------------

الفكرة كانت أنّ فكرتين لإنقاذ الناس يمكنهما أن يسببا خلافا ربما يقتل الكثير من الناس, متى سنتعلّم أن نحاول تفهّم وجهات نظر الآخرين والبحث عن حلول مشتركة نتّفق عليها؟